الشيخ السبحاني
615
بحوث في الملل والنحل
المقام بأسدِّ الدلائل وأتقنها ، حيث استدلّ تارة بتعلّق الجعل بالقرآن ، وأُخرى بإحاطة اللّوح المحفوظ به ، ولا يحاط إلّا بمخلوق ، وثالثة بتوصيفه ب « محدث » ، ورابعة بتوصيفه بصفات كلّها صفات المخلوق من تعلّق النزول به ونهي النبي عن العجلة بقراءته ، والدعوة إلى الإتيان بمثله ، وأنّ له أماماً وخلفاً ، إلى غير ذلك . 3 - إنّ الرِّسالة كشفت القناع عن السبب الّذي أدخل هذه المسألة في أوساط المسلمين ، وقال : « إنّ القائلين بقدم القرآن يضاهئون قول النصارى في أنّ المسيح كلمة وليس بمخلوق » ، وهو يعرب عن أنّ الفكرة دخلت إلى أوساط المسلمين بسبب احتكاك المسلمين بهم . وما يقال من أنّ اليهود هم المصدر لدخول هذه الفكرة بينهم غير تامّ ، والمأمون أعرف بمصدر هذه الفكرة . 4 - لو صحّ ما ذكره الطبري من صورة المحاورة الّتي دارت بين رئيس الشرطة والمحدِّثين ، فإنّه يكشف عن جمود المجيبين وعيّهم في الجواب ، فإنّهم اتّفقوا على أنّ القرآن ليس بخالق ، ولكنّهم امتنعوا عن الاعتراف بأنّه مخلوق ، وبالتالي جعلوا واسطة بين الخالق والمخلوق أو بين النفي والإثبات ، وهو كما ترى . ولو كان عذرهم في عدم الاعتراف بأنّ القرآن مخلوق ، هو الخوف من أن يكون هذا الاعتراف ذريعة للملاحدة حتّى ينسبوا إلى المسلمين بأنّهم يقولون إنّ القرآن مخلوق أي مختلق ومزوّر أو مخلوق للبشر ، فيمكن